سيد قطب
3456
في ظلال القرآن
اللّه . جل جلاله . اللّه القوي القادر ، القهار الجبار ، الكبير المتعال . اللّه - سبحانه - يفرغ لحساب هذين الخلقين الضعيفين الصغيرين : الجن والإنس ، في وعيد وانتقام ! إنه أمر . إنه هول . إنه فوق كل تصور واحتمال ! واللّه - سبحانه - ليس مشغولا فيفرغ . وإنما هو تقريب الأمر للتصور البشري . وإيقاع الوعيد في صورة مذهلة مزلزلة ، تسحق الكيان بمجرد تصورها سحقا . فهذا الوجود كله نشأ بكلمة . كلمة واحدة . كن فيكون . وتدميره أو سحقه لا يحتاج إلا واحدة كلمح بالبصر . . فكيف يكون حال الثقلين ، واللّه يفرغ لهما وحدهما ، ليتولاهما بالانتقام ؟ ! وفي ظل هذا الهول الرعيب يسأل الثقلين المسكينين : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » ! ثم يمضي في الإيقاع المرعب المزلزل ، يتحداهما أن ينفذا من أقطار السماوات والأرض : « يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا » . . وكيف ؟ وأين ؟ « لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ » . ولا يملك السلطان إلا صاحب السلطان . . ومرة أخرى يواجههما بالسؤال : « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » ؟ وهل بقي في كيانهما شيء يكذب أو يهم بمجرد النطق والبيان ؟ ! ولكن الحملة الساحقة تستمر إلى نهايتها ، والتهديد الرعيب يلاحقهما ، والمصير المردي يتمثل لهما : « يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ » . . « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ؟ » ! إنها صورة من الهول فوق مألوف البشر - وفوق مألوف كل خلق - وفوق تصور البشر وتصور كل خلق . وهي صورة فريدة ، وردت لها نظائر قليلة في القرآن ، تشبهها ولا تماثلها . كما قال تعالى مرة : « وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ » . . وكما قال : « ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً » . . وما يزال قوله تعالى : « سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ » . . أعنف وأقوى وأرعب وأدهى . . ومن هنا إلى نهاية السورة تبدأ مشاهد اليوم الآخر . مشهد الانقلاب الكوني يوم القيامة . وما يعقبه من مشاهد الحساب . ومشاهد العذاب والثواب . ويبدأ استعراض هذه المشاهد بمشهد كوني يتناسب مع مطالع السورة ومجالها الكوني : « فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ » . وردة حمراء ، سائلة كالدهان . . ومجموع الآيات التي وردت في صفة الكون يوم القيامة تشير كلها إلى وقوع دمار كامل في هذه الأفلاك والكواكب ، بعد انفلاتها من النسق الذي يحكمها الآن ، وينسق بين مداراتها وحركاتها . منها هذه الآية . ومنها : « إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا ، وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ، فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا » . . ومنها : « فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ ، وَخَسَفَ الْقَمَرُ ، وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ » . . ومنها : « إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ، وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ . وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ . وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ . وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ » . .